الجمعة, 15 آذار/مارس 2019 12:28

في ظلال حديث :" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

إن مكارم الأخلاق صرح أسهم في إقامته جميع الأنبياء عليهم السلا٠ واكتمل ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه البيهقي.

إن الفطرة هي المنبع الأول لمكارم الأخلاق لدى الإنسان، إلا أن هذه الأخلاق الفطرية قد تندرس وتفقد وهجها مع الزمن، فيأتي دور الدين لتعزيزها وتنميتها.

فالدين في أصله إنما هو تخليق، لذلك قال ابن القيم رحمه الله: " الدين كله خلق، فمن فاقك في الخلق فاقك في الدين".

إن للأخلاق مركزية في ديننا، فالمتأمل لما شرع الله من أحكام في الكتاب و السنة، يجد مبدأ الأخلاق لصيقا بكل تشريع حتى في العبادات، يقول العلامة الشنقيطي: "ففي الصلاة خشوع وخضوع وسكينة ووقار، قال صلى الله عليه و سلم:" فاتوها وعليكم السكينة والوقار"، وفي الزكاة مروءة و كرم، قال الله تعالى:" يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"، وفي الصيام جنة، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه و شرابه"..).

و لما سئل النبي صلى الله عليه و سلم :" أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا " رواه ابن ماجة.

و لما سئل عن أكمل المؤمنين إيمانا، قال:" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، و خياركم خياركم لنسائهم٠" رواه الترمذي.

كما أقر صلى الله عليه وسلم أن أثقل شيء في الميزان حسن الخلق، حيث قال: " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة." أخرجه الترمذي.

إن الأخلاق التي ندب إليها الشارع كثيرة ولا يمكن بأي حال عدّها، ولقد جمعها بعض العلماء تحت مسمى أمهات الأخلاق أو الكليات الخلقية، وأشار إليها الدكتور أحمد الريسوني في كتابه :" الكليات الأساسية للتشريع الإسلامي"و عدّد من بينها:

التقوى: حيث أن أمومتها لسائر الفضائل والمناقب هي ما نبّه له صلى الله عليه و سلم في حديث عن أبي سعيد الخدري: "أن رجلا جاءه فقال له أوصني، قال سألتَ عما سألتُ عنه رسول الله من قبلك، فقال: أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء " قال الألباني في السلسلة الصحيحة.

فالتقوى إذا سادت النفوس فإنها تقوم بما يقوم به المعلم، وتقوم بما يقوم به المربي والواعظ، و تقوم بما لا يقوم به كل أولئك؛ إنها تعزز الرقابة الذاتية وتوقظ البصيرة الداخلية.

الاستقامة: وهو خلق أخذ بمجامع الدين، فلما جاء رجل إلى رسول الله يسأله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: " قل آمنت بالله ثم استقم"رواه مسلم .

إن الاستقامة هي لزوم الجادة دون عوج أو انحراف.

إن الاستقامة هي عقيدة مستقيمة، فكر مستقيم، لسان مستقيم وخلق مستقيم.

كما أشار ابن القيم رحمه الله في فوائده في سياق كلامه عن حدود الأخلاق إلى كلّية خُلُقية أخرى هي: العدل، فقال: "للأخلاق حدّ متى جاوزته صارت عدوانا ومتى قصّرت عنه كان نقصا ومهانة.

للغضب حدّ وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص، وهذا كماله فإذا جاوز حدّه تعدى صاحبه وجار، وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل..

وللحرص حدّ وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها، فمتى نقص من ذلك كان مهانة، ومتى زاد عليه كان شَرَهاً.

وللتواضع حدّ إذا جاوزه كان ذلا ومهانة، من قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر.

وضابط هذا كلِّه العدلُ، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناءُ مصالح الدنيا والآخرة."

إذا تأمّلنا حالنا، نجد أن هناك بَوْنا بين الاعتقاد والممارسة، وهوّة بين الفكر والسلوك٠ومن هنا فالحاجة تبقى ماسّة ودائمة إلى تعهّد الأخلاق وتنقيتها وترقيتها.

فترسيخ الأخلاق في أنفسنا وفي محيطنا، في حاجة إلى قدوات عاملة متمثّلة لها.

يقول الدكتور عبد الكريم بكار: "القيم الأخلاقية تُتَشرّب أكثر من أن تُتَعلّمَ، والبيئة التربوية بقدواتها وأجوائها وأدبياتها هي التي تحوِّل القيم إلى سلوك".

وفي إطار الحديث عن القدوة، أشار الدكتور سليمان الندوي - أحد كبار علماء الهند- في كتابه "الرّسالة المحمدية"، وهو سلسلة محاضرات في السيرة النبوية، إلى الشروط التي يجب أن تتوفر في القدوة، وحدّد أربعة شروط: الوضوح، الكمال، الإحاطة والعملية، ووضح كيف أن رسول الله حاز قسطا عظيما منها جميعا.

فيما يخص شرط الوضوح، فلقد كانت حياة رسول الله شفّافة؛ كل صغيرة وكبيرة بازغة كالشمس في رابعة النهار، في بيته تسع نسوة، كن يتمتعن كلهن بحرية التعبير، فيروين في الصباح كل ما يرينه أو يسمعنه من رسول الله في الحجرات، كما كانت له صحبة ملازمة - سبعون من أهل الصفة - شغلهم هو مصاحبته، ورواية كل ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير.

لم يكن رسول الله يمنع نساءه و لا صحابته من رواية كل ما يرون و يسمعون وهذا لا شك دليل كمال وعظمة.

أما فيما يخص شرط الإحاطة، فما من خلق إلا وحاز رسول الله حظا وافرا منه، و كل من تعامل معه : سواء زوجاته، مملوكه، خادمه، ربائبه، أو حتى من عاداه، كل أولئك شهدوا له بعظمة الخلق وطيب المعشر.

وبالنسبة لشرط العملية فقد تحقق أيضا بامتياز في حق رسول الله، فما من خلق دعا إليه إلا وسبق لتمثُّلِه و بادر للعمل به.

لقد استحق رسول الله بحق لقب القدوة العالمية، لما حظي به من عظمة خلقية، شهد له بها ربّ العزة في القرآن الكريم: " وإنك لعلى خلق عظيم" (القلم: 4) ، كما شهد له بها القريب والبعيد، والعدو قبل الصديق.

ويجدر بكل من أخذ المشعل عن رسول الله، وتشرف بولوج سلك الدعوة إلى الله، أن يجاهد لحيازة مجموع مهم من شروط القدوة، فما من مفتاح لقلوب الناس أجدى من حسن الخلق.

ختاما، أريد أن أشير إلى كلمة ذات حمولة تربوية وفكرية وردت في الحديث الشريف، وهي لفظة "لِأُتَمِّمَ"، لم يقل صلى الله عليه و سلم: إنما بعثت لأرسخ مكارم الأخلاق، أو لأوطن، أو لأؤسس... بل قال : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

لفت نظري التواضع الكبير لرسول الله، هذا النبي العظيم الذي اعتبر نفسه مجرد لبنة خاتمة ومتممة لصرح الأنبياء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه و سلم: " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له و يقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيئين" رواه البخاري.

يعلمنا رسول الله منهجا مهما من مناهج الإصلاح.

يعلمنا أن المصلح متمِّم لجهود من سبقه، معترف بها ومعزِّز لها، ألم يقر مجموعة من الأخلاق الحسنة التي كانت سائدة في الجاهلية، مثل أخلاق النجدة والجوار والكرم ؟ ألم يقل عن حلف الفضول: " لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، و لو دعيت به في الإسلام لأجبت " ؟

يُعَلّم المصلحين كيف يتواضعون لبعضهم، كيف يتراصون في بناء واحد، وكيف ينتظمون في سلسلة متكاملة الحلقات، كلّ يسهم بجهده في رفع راية الحق، فجبهات العمل كثيرة وثغور الإصلاح عديدة، وتحتاج لعقول وسواعد الجميع.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرفه عنا إلا أنت.

خديجة رابعة